إذا كنت مستثمرًا أجنبيًا وتفكر بالدخول إلى السوق العقاري في مكة المكرمة أو المدينة المنورة، فمن المهم أن تدرك أن التنظيمات السعودية لا تزال تتعامل مع العقارات داخل المدينتين المقدستين بحساسية خاصة، لكنها في الوقت ذاته بدأت تفتح مسارات استثمارية مدروسة تستهدف جذب رؤوس الأموال النوعية بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.
فعلى الرغم من أن الأصل النظامي يقضي بتقييد تملك غير السعوديين للعقارات داخل حدود مكة والمدينة، إلا أن التطورات التشريعية الأخيرة أوجدت استثناءات منظمة تسمح لفئات محددة من المستثمرين بالدخول إلى هذا السوق وفق ضوابط دقيقة توازن بين خصوصية المكان والفرص الاقتصادية الواعدة.
ويستند هذا التوجه إلى المرسوم الملكي رقم (م/94) لعام 1439هـ، والذي أكد مبدأ تقييد تملك غير السعوديين للعقار داخل المدينتين، مع تنظيم حالات الاستثناء وآليات الاستثمار المسموح بها.
ومن أبرز المسارات الاستثمارية المتاحة حالياً للمستثمر الأجنبي:
الاستثمار عبر الشركات المدرجة والصناديق العقارية
أصبح بإمكان المستثمر الأجنبي الدخول إلى سوق العقار في مكة والمدينة بشكل غير مباشر من خلال الشركات المدرجة في السوق المالية السعودية أو عبر الصناديق الاستثمارية العقارية. ويُعد هذا المسار من أكثر الخيارات استقرارًا وتنظيمًا، خصوصًا للمستثمرين الراغبين في الاستفادة من النمو العقاري دون الدخول في التملك الفردي المباشر.
إلا أن هذا النوع من الاستثمار يخضع لضوابط محددة، من أبرزها ألا تتجاوز ملكية غير السعوديين مجتمعين نسبة معينة في بعض الحالات، مع وجود قيود خاصة بالمستثمر الاستراتيجي الأجنبي.
التملك للأشخاص الطبيعيين المسلمين
شهد النظام تطورًا مهمًا عندما أتاح – من حيث المبدأ – إمكانية تملك غير السعودي المسلم للعقار داخل مكة والمدينة، إلا أن التطبيق العملي لهذا المسار لا يزال مرتبطًا بصدور ضوابط وقرارات تنظيمية تفصيلية من مجلس الوزراء تحدد النطاق الجغرافي وأنواع الحقوق العينية وآليات التملك المسموح بها.
وهذا يعني أن السوق قد يشهد مستقبلًا توسعًا أكبر في فرص التملك المباشر للأفراد المسلمين غير السعوديين ضمن إطار تنظيمي خاص.
تملك الشركات الأجنبية للعقار المرتبط بالنشاط
كما يسمح النظام للشركات التي يشارك في ملكيتها مستثمرون أجانب بتملك العقار اللازم لممارسة النشاط التجاري أو لتسكين الموظفين والعاملين، حتى داخل مكة والمدينة، بشرط أن يكون العقار مرتبطًا مباشرة بالنشاط التشغيلي للشركة وليس بغرض المضاربة أو الاستثمار العقاري البحت.
ويُعد هذا الخيار مهمًا للشركات الدولية الراغبة في إنشاء مقرات تشغيلية أو مشاريع مرتبطة بقطاع الحج والعمرة أو الضيافة والخدمات.
دور البنوك وشركات التمويل العقاري
كذلك سمحت التنظيمات للبنوك وشركات التمويل العقاري بتملك العقارات داخل مكة والمدينة لأغراض التمويل، إلا أن هذا المسار يبقى مقيدًا بضوابط خاصة، أبرزها أن التمويل العقاري في هذه الحالة يقتصر غالبًا على المواطنين السعوديين.
وعلى مستوى الحماية القانونية، يتمتع المستثمر الأجنبي في المملكة بضمانات مهمة نص عليها نظام الاستثمار، من بينها حماية الاستثمار من المصادرة إلا بحكم قضائي، وحرية تحويل الأرباح والأموال، والمساواة في المعاملة بين المستثمر المحلي والأجنبي. كما تعزز الاتفاقيات الاستثمارية الدولية التي أبرمتها المملكة مستوى الأمان القانوني من خلال إتاحة وسائل تسوية المنازعات، بما في ذلك التحكيم الدولي في بعض الحالات.
وفي المحصلة، فإن الاستثمار العقاري في مكة المكرمة والمدينة المنورة لم يعد مغلقًا بالكامل أمام المستثمر الأجنبي كما كان يُنظر إليه سابقًا، بل أصبح متاحًا عبر قنوات استثمارية منظمة ومدروسة.
ومع استمرار التحديثات التشريعية والتنظيمية، تبدو الفرص المستقبلية واعدة، خاصة للمستثمرين الذين يسعون للدخول إلى أحد أكثر الأسواق العقارية خصوصية وأهمية في المنطقة.

