شركة أنس بن عبدالعليم الحصيّن للمحاماة والاستشارات القانونية
العودة للمدونة

العقود الإدارية في السعودية: لماذا تختلف عن العقود التجارية وما المخاطر التي يجب الانتباه لها؟

تتعامل كثير من الشركات مع عقودها المبرمة مع الجهات الحكومية كما لو كانت عقودًا تجارية عادية، وتفترض أن القواعد التي تحكم العلاقة التعاقدية بين الشركات الخاصة تنطبق بالقدر نفسه على العقود الحكومية. غير أن هذا التصور لا يعكس الطبيعة القانونية الخاصة للعقود الإدارية، والتي تختلف في جوهرها عن العقود المدنية أو التجارية.

فالعلاقة التعاقدية مع الجهات الحكومية تخضع في المملكة العربية السعودية لإطار نظامي خاص، أبرز مظاهره نظام المنافسات والمشتريات الحكومية وما استقر عليه القضاء الإداري من مبادئ في تفسير وتنفيذ هذه العقود. وتتميز العقود الإدارية بوجود طرف يتمتع بامتيازات وسلطات تنظيمية هي الجهة الإدارية، وهو ما يجعل التوازن التعاقدي في هذه العقود مختلفًا عن العقود التجارية التقليدية.

وتكمن خصوصية العقود الإدارية في أن الجهة الحكومية لا تتصرف بوصفها متعاقدًا عاديًا فحسب، بل بوصفها سلطة إدارية تسعى إلى تحقيق المصلحة العامة. ولذلك منحها النظام والقضاء الإداري عددًا من الصلاحيات التي قد لا تكون موجودة في العقود التجارية، وهو ما يفرض على الشركات المتعاقدة مع الجهات الحكومية قدرًا أعلى من الوعي القانوني بطبيعة هذه العلاقة التعاقدية.

ومن أبرز المخاطر التي قد تواجه الشركات عند التعاقد مع الجهات الحكومية مسألة غرامات التأخير، إذ تملك الجهة الإدارية صلاحية فرض غرامات مالية في حال تأخر المتعاقد في تنفيذ التزاماته التعاقدية وفق المدد المحددة في العقد. وقد ترتبط هذه الغرامات في بعض الحالات بتكاليف إضافية مثل تكاليف الإشراف أو إدارة المشروع.

كما تتمتع الجهة الحكومية بسلطة تعديل نطاق الأعمال في بعض العقود، سواء بالزيادة أو النقص، بما يتناسب مع متطلبات المشروع أو المصلحة العامة. ويعني ذلك أن نطاق المشروع قد يتغير خلال فترة التنفيذ، وهو ما يستلزم إدارة دقيقة للتعديلات التعاقدية وما يترتب عليها من آثار مالية وزمنية.

ومن الصلاحيات المهمة كذلك إنهاء العقد للمصلحة العامة، وهي سلطة استثنائية تسمح للجهة الإدارية بإنهاء العلاقة التعاقدية إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك، حتى لو لم يكن المتعاقد قد أخل بالتزاماته التعاقدية. وتُعد هذه السلطة من أبرز الفوارق بين العقود الإدارية والعقود التجارية، حيث لا يملك أحد المتعاقدين في العقود التجارية عادة إنهاء العقد بإرادته المنفردة دون سبب تعاقدي.

كما قد تلجأ الجهة الحكومية في حال إخلال المتعاقد بالتزاماته إلى التنفيذ على حسابه، وهو إجراء يسمح للجهة الإدارية بإسناد تنفيذ الأعمال إلى طرف آخر وتحميل المتعاقد الأصلي التكاليف الناتجة عن ذلك. ويرتبط هذا الإجراء في كثير من الأحيان بإمكانية مصادرة الضمان البنكي المقدم من المتعاقد ضمانًا لتنفيذ التزاماته.

ولا تقف آثار الإخلال بالعقد عند الحدود المالية فحسب، إذ قد يترتب عليه في بعض الحالات منع المتعاقد من التعامل مع الجهات الحكومية لفترة معينة، وهو ما قد يكون له أثر كبير على الشركات التي يعتمد نشاطها على التعاقد مع القطاع الحكومي.

ومن الجوانب المهمة التي ينبغي الانتباه لها أن المنازعات الناشئة عن العقود الإدارية لا تخضع عادة لاختصاص المحاكم التجارية، وإنما تدخل ضمن اختصاص القضاء الإداري في ديوان المظالم، والذي يطبق بدوره مبادئ قانونية خاصة بالعقود الإدارية تختلف في بعض جوانبها عن القواعد المطبقة في العقود المدنية أو التجارية.

ولهذا فإن التعاقد مع الجهات الحكومية يتطلب قدرًا عاليًا من الوعي القانوني بطبيعة هذه العقود، إضافة إلى إدارة دقيقة للمخاطر التعاقدية منذ مرحلة صياغة العقد وحتى مرحلة تنفيذ المشروع. كما أن الاستعانة بالخبرة القانونية المتخصصة في العقود الحكومية قد تسهم في تقليل المخاطر المحتملة وحماية مصالح الشركات المتعاقدة مع القطاع العام.